Sunday, August 29, 2010

صاموا فصمنا

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
صاموا فصمنا
ان الدين عند الله الاسلام
ان ما علق بالتاريخ الماضي وما وصل الينا بين طيات الكتب والاحافير من غابر الزمن وما هو متداول الى اليوم من عادات وخاصة فيما يتعلق بالصوم هو مصداق هذه الاية الشريفة وما تلاها وتاكيد على ان الله لم يبدل اديانا وشرائع بدلا شرائع واديان انما نسخة جديدة فوق نسخة قديمة، مزيدة ومنقحة، محي منها وعيب فيها وحرفت الكثير من معانيها وطمست معالمها ، فجددت ليس الا .

فاننا سنكتشف يوماً ما ... وسنقرأ يوماً ما... وسنعلم يوماً ما ... أنه منذ صحف آدم عليه السلام الى قرآن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفس التعاليم والقيم، هي هي .
غير أن عاديات الزمن ضيعت المعالم للاول وأبقت عناية الله العزيز القدير على نظارة الاخير ، القرآن ، ببريقه وألقه وصانته من الزيف والتحريف .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {البقرة/183}
بين يديك عزيزي القارئ لوحات من الماضي السحيق وصلت إلينا عبر طيات ألآف السنين وماتزال تحمل الكثير من لمحات الأصل بالرغم من التشويه الذي اعتراها عبر السنون المتطاولة والايدي العابثة والألسن المأجورة والنيات الخبيثة والغايات السيئة وغيرها من عوامل التعرية والحت .
الصوم في اللغة هو ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام ، وهو الامساك عن الشئ والترك له .
الصوم الشرعي هو الامساك عن المفطرات من طلوع الفجر الى الليل إمتثالاً لأمر الله تعالى
اذا الصوم هو قطع مؤقت لمجرى عادة اعتادها الانسان في سلوكه اليومي من جهة الماكل والمشرب وبعض الافعال ، وهو صفة من صفات الايمان والالتزام مع الله إمتحاناً منه ورحمة ، ولعل من فوائده الخفية أن الصائم عند دخول شهر رمضان يعيد استجماع قواه الروحية المتلاشية شيئاً فشيئاً من تراكم الايام طوال العام فيستحضرها ويعيش أبهى حللها من جديد ، إنه جذوة تتجدد وتتقد داخل الذات فتعيد الألق الى الروح المتعبة من وحول الايام وتراكم الاثام .
فلنعد الى الصوم قديماً وماعلق بزوايا التاريخ حتى وصل الينا، فما استنبطناه ان الذي نأتي به اليوم فريضة كان كتابا مفروضاً أيضاً على الذين من كانوا من قبلنا، وان الكل سواء فيه .
واقعتان خلدههما القرآن الكريم عن نوع اخر من الصوم . الا وهو الصوم عن الكلام، الاولى عندما بشر رسول الله يحيى بزكريا عليهما السلام . والثانية بعد ولادة مريم البتول للسيد المسيح عليهما السلام فأُمرا بالصوم عن الكلام لا الطعام ، وذلك لحكمة اقتضتها الضرورة والمصلحة .
ونجد نضيرا لهذه الصور لدى بعض الشعوب والقبائل البدائية والامم السالفة.
أما بنو اسرائيل، فقد كان في بعض عاداتهم ان المرأة اذا توفى عنها زوجها وصارت أرملة صامت عن الكلام والزينة مدة حدادها التي قد تصل الى ثلاثة اشهر .
اما البابليون القدماء فقد صاموا تطوعاً وليس واجباً كما تقول ديانتهم صاموا ثلاثين يوما متفرقه، اذ كان المطلوب أن يأتي الواحد بصيام الثلاثين يوما على مدار العام، وذلك بأن يمسكوا عن الطعام والشراب من شروق الشمس الى مغربها وياكلوا عند افطارهم غير اللحوم .
وتقرب الفراعنة الى أرواح الموتي فريضة دينية بالصيام اذ ان العقيدة لديهم كانت تقول ان امتناع الاحياء عن الطعام يرضى أرواح موتاهم فكما حرمهم الموت لذة الطعام يحرم الحي على نفسه الطعام تضامناً مع أرواح موتاه فيسعدهم بذلك ويدخل السرور اليهم -حسب زعمهم - وقد كانت له مواعيد محددة قد تمتد فترته الى اثنين واربعين يوما من طلوع الشمس الى غروبها ممتنعين عن تناول الطعام والشراب ومقاربة النساء.
وكذلك كان هناك صوم للعامة في مصر القديمة زمن فيضان النيل في الربيع من كل عام اذ يمتنع الناس عن اكل كل اصناف الطعام عدا الماء والخضروات مدة سبعين يوما وفاء للنيل العظيم .
اما الصابئة فقد كان غموضاً يكتنف صومهم اذ ان لديهم طقس الصوم الاكبر وهو عندهم الكف عن الذنوب ويصومون ثلاثة وثلاثون يوماً ممتنعين عن أكل اللحوم ويسمون أيام صومهم هذه المبطلات او المبطل.
بعض شعوب القوقاز كانت تصوم مدة اربعين يوما لا تتناول خلالها الا الماء دون اي طعام باعتقادهم ان هذه الطريقة والمدة تنقي الجسد من السموم فيطهر .
آمن الهنود بالتناسخ او العودة مرة اخرى الى الحياة بعدة أشكال حسب عمل كل شخص ولذلك يعدون العدة للرجعة من صلاة وصدقة وصوم او نسك فقد اعتقدوا ان صيام العام كله الا اثني عشر يوما كفيل بان يدخلهم الجنة عشرة الاف عام .
وعندهم ايضا صيام الكفارة وهو ان ياكل الصائم وجبة واحدة فقط طعام الصباح ، وياكل في الايام الثلاثة التي تليها وجبة واحدة عند المساء وياكل في الثلاثة الاخرى ما يتصدق عليه من دون سؤال منه ويصوم ثلاثة اخرى عن الطعام مطلقا .
واختص كهان اليونان لانفسهم بالصوم عند قدوم الربيع مدة أربعة أيام بعد أن يستحموا، وهو نوع من الحرمان والامتناع ويعقبه افطار عند الليل.
اما الفرس الاقدمون على دين زردشت وماني فتضاربا الرأي لمفهوم الصوم فزردشت هذا كان متفائلا بالحياة محبا لها فقد حرم الصوم ونهى عنه لانه يجهد الجسم ويفسد الصحة بعكس ماني الذي كان اميل الى التقشف وكان الصوم احد ركائز ديانته المانوية فقد كان يامر اتباعة بصيام يومين عند رؤية الهلال ويومين عن صيرورة القمر بدرا وثلاثون يوما اذا نزلت الشمس في برج الدلو وافطارهم كان عند المساء .
اما بنو اسرائيل فاليهودي يصوم اياما متفرقة في العام مرتبطة ببعض المناسبات والاعياد فيوم الغفران يصام ويوم خراب الهيكل والذي يليه الذي يصادف التاسع من شهر اب ويوم وفاة نبي الله موسى عليه السلام في السابع من اذار وكما يصومون كل اثنين وخميس من الاسبوع ويصومون في ذكرى موت ابويهم اوذكرى يوم زفافهم او وفاة استاذهم وهناك الكثير من المناسبات المرتبطة بنكبتهم وماسيهم المزعومة كلها مناسبات للصوم ، اذ يمتنعون اثناء الصوم علن الشراب والطعام والجماع وعن ارتداء الاحذية الجلدية مدة خمسة وعشرين ساعة من غروب الشمس حتى غروب شمس يوم الصيام وتمتد فترة الصوم لديهم من شروق الشمس الى غروبها .
والصوم لدى المسيحين من أهم العبادات الا انه مستحب لديهم لا واجب, وهو ان يصوموا اياما محددة في السنة من حيث الموعد مدة اربعين يوما من الصباح حتى منتصف النهار ويتناولون مدة صومهم طعاما خال من الدسم فلا يؤكل لحم الحيوان او ما يتولد منه او ما يستخرج من اصله ويقتصر الاكل فيه على الحبوب والخضر, وقد ذهب بعضهم الى الاقتصار على اكل البقول نيئة دون طهي . وذلك كما يقولون تاسيا بالسيد المسيح عليه السلام الذي صام اربعون يوما . ولا يعقد اثنائه سر الزواج .
محصلة الكلام ونرسم من خلال ذلك صورة موحدة عن الصوم بان هذه العبادة مرت بجميع الاديان الربانية او الوثنية اننا نرى في كل من هذه الصور التى مرت بايجاز ان الاسلام لما شرع الصوم لم يات بجديد انما مضى على سنن الاولين كما كتب عليهم ولكن حدد الاسلام الكيفية والكمية , شهر رمضان من الفجر الى الليل ولم يخرجه عن اطار الانسانية ولم يجعله لخاصة الناس ولا مبهما انما حدد اصوله وضوابطه واجراه على الطبيعة البشرية دون اكراه ليس على المريض حرج فقد امر المسافر والمريض والكبير والحائض والنفساء بالافطار ونهى عن صوم الوصال وحرم صيام العيدين ونهى الزوجة ان تصوم تطوعا الا باذن زوجها ولم يتدخل بنوع الطعام وجعل الصوم كفارة لكثير من الذنوب, وقسمه الى واجب ومستحب . اختص الله عزوجل عبادة الصيام بنفسه , فقد ورد في الحديث القدسي : كل عمل ابن آدم له الا الصوم فانه لي وانا اجزي عليه .




No comments:

Post a Comment